“فرد بلا قيم ومبادئ في المجتمع هو فرد جامد وأجوف”

8٬707مشاهدة
أخر تحديث : الثلاثاء 28 مارس 2017 - 10:15 مساءً
“فرد بلا قيم ومبادئ في المجتمع هو فرد جامد وأجوف”

لا يختلف عاقلان على دور القيم والمبادئ داخل المجتمعات. فالقيم هي التي تحدد سلوكيات الأفراد وكيفية تعاطيهم مع أمورهم وحياتهم اليومية، وليست لها أية علاقة جدلية بدين أو عقيدة معينة، ومن يقرنها بغير الفطرة الإنسانية وما زرعه الخالق في نفوس البشر من تقلبات الخير والشر، فإنما يحاول يائسا تمرير فلسفة خاصة لإرضاء غرور شخصي على حساب مبدأ أكثر شمولية وعمقا من مجرد رؤية محصورة في توجه قابل للطعن ممن يختلف معه. فتقدم المجتمعات مقرون باختلال القيم فيها مكانة مرموقة تؤطر سلوكيات الأفراد، ومن خلالهم المجتمع كمنظومة فاعلة في النظام المؤسساتي للدول.

إن المجتمعات تتطور مع مرور الزمن، والمنطق يقتضي تطورها للأفضل والرقي بما كان يعتبر بالأمس من ضروب المستحيل أو الصعب المنال. فالأمم البائدة لم تكن تتوفر على الحظوظ والامتيازات المتوافرة في زمننا الحالي للرقي بعقولها والانتقال من وضع إلى آخر بما يكفل للأجيال القادمة أرضية لتطوير الإرث الحضاري الذي سنخلفه لهم، وبالتالي إثبات نظرية التطور الإيجابي الذي هو من مكونات الجنس البشري، ولا داعي للخوض في أمثلة من مجتمعات كانت إلى زمن غير بعيد في ظلام دامس وغدت اليوم من أرقى شعوب الأرض لما ارتقت بقيمها ومبادئها وخطت لنفسها منهاجا جعلت منه دستورا مقدسا يسري على المسؤول قبل المواطن.

منذ مدة وأنا أرقب عن كثب ما يجري على مسرح المملكة المغربية من تواتر للأحداث، تواتر تم بشكل وبوتيرة مثيرة للانتباه لاطرادها بسرعة غير مألوفة. ففي علوم السياسة، عندما تتحرك الأنظمة لتفعيل حراك من نوع ما داخل مجتمعاتها، فهذا ليس بنذير خير، كون الحراك يخفي في طياته سياسات تمرر خلسة، وغالبا ما تكون هذه السياسات لا تصب في مصلحة الشعوب. فمنذ سنة 1999 والمغرب يشهد “نموا” غير متوازن في بنياته المجتمعية. فمن جهة، حقق المغرب قفزة نوعية في تحديث بنياته التحتية، وشملت الإنجازات مناطق مختلفة من المملكة عكس ما كان يقع إبان مرحلة ما قبل 1999. أما فيما يخص تحديث المؤسسات، فالظاهر يبدي أن المغرب أخذ مكانه ضمن قائمة الدول التي تسعى إلى ترسيخ حكم مؤسساتي يلغي سيطرة الفرد على دواليب السلطة المطلقة/ وبالتالي إنشاء وإرساء ما يصطلح عليه “دولة الحق والقانون”.

الدين الرسمي للمملكة المغربية طبقا للدستور هو الدين الإسلامي. ولما نتحدث عن الإسلام، نعي جميعنا أن شرائع الله تؤخذ كاملة من دون تمييز مبدإ إسلامي على آخر. هذا الدين الحنيف الذي لو طبقت تعاليمه لعاش المسلمون في رغد من العيش، وعادت الحقوق إلى أصحابها وانتفى الظلم والحيف والغش والمحسوبية والفساد بجميع أنواعه والرشوة والنفاق بشقيه الديني والاجتماعي. لكننا مع الأسف لا نلحظ في المجتمع المغربي ما يفيد بأن الدين الإسلامي الحنيف هو دستور الأمة ومنهاجها في الحياة لما ينخر مختلف شرائح المجتمع من اختلالات وانعدام في الموازين والنواميس المنظمة لشؤونه، سواء الدينية منها أو الدنيوية.

إن ما وصل إليه حال المغرب ليس وليد اللحظة أو لعنة سقطت من السماء ذات صبيحة، بل كان أمرا متوقعا ومسألة وقت حتى تتفكك لبنات المجتمع ويدخل في متاهة انفصام لاشعوري. هذا الانفصام رسخ الفوارق الطبقية بشكل غير مسبوق وبشكل غير متوقع في زمن غلبت عليه الخطابات الرنانة للسياسيين الداعين لإرساء مبدأ “المساواة” وتكافؤ الفرص وتوزيع عادل للثروات، زمن ادعى فيه القائمون على الشأن العام أن حقبة الفساد قد ولت والكل مسؤول وسواسي أمام القانون، وعززت طروحاتها بإقحام مبدأ “ربط المسؤولية بالمحاسبة”. وبما أننا بصدد الحديث عن هذه المادة الدستورية، نتساءل هل فعلا تم تفعيلها على أرض الواقع، وهل تمت إدانة مسؤولين سامين عن الخروقات التي طالت إداراتهم ومؤسساتهم؟ بين الفينة والأخرى يخرج علينا مدير المجلس الأعلى للحسابات بتقارير توزع على المنابر الإعلامية تتضمن ضبط خروقات مالية في عدد من الإدارات، لكننا أبدا لم نسمع عن اعتقال ومحاسبة مسؤول ما عن هذه الخروقات! فهل نحن هنا أمام ذر ممنهج للرماد على العيون أم مجرد مسرحية سخيفة لإثبات أن المغرب فعلا دولة مؤسسات والكل معرض للمساءلة القانونية؟! ولنا في المدير العام السابق للقرض العقاري والسياحي خير مثال في تلاعب أيادي خفية بالقوانين. حتى إن السيد وزير العدل كان في وقت سابق هدد بالاستقالة حال عدم عودة الشخص صاحب القضية إلى السجن. لا الظنين قفل راجعا إلى سجنه، ولا الوزير استقال من منصبه كما هدد! إذن، واقع الحال يؤكد بما لا يدع مجالا للشك أننا جميعا كشعب في مواجهة لوبيات قوية قادرة على التصدي وتحدي ومواجهة القوانين الوضعية التي “صادق” عليها نواب الأمة تحت قبة محترمة وحازت على “الختم الشريف” لعاهل البلاد.

فعن أي سيادة للقانون نتحدث هنا يا ترى؟!

في المقابل، لا يجب أن نغفل تحاشي سلطتين حساستين في البلاد والتي يمكن أن تشكلان قوة ضغط داخل أروقة الدولة: سلطة الشعب وسلطة الصحافة. وهنا نتساءل عن سبب شلل هاتين المؤسستين الفاعلتين في أي دولة تحترم مؤسساتها؟

ففيما يخص الشعب، أكاد أجزم أنه تحت تأثير تنويم مغناطيسي فعال أو أنه ضحية تدجين ممنهج أفقده فعاليته أو أخطر من هذا وذاك، أنه فقد الأمل في تغيير جذري لعمل القائمين على شؤونه ورضخ لواقع عقم الآلة المؤسساتية في البلاد، وأجبر على الرضوخ للأمر الواقع. هذه أمور – مع الأسف – واضحة وجلية للعيان، وهي تبعات سياسة محكمة للسيطرة على فاعلية قوة الشعب التي، مبدئيا، لا تعلو عليها أية سلطة. فكيف تنازل الشعب عن حقه في متابعة من يتلاعبون بحقوقه وأمواله؟

يجدر بنا قبل الإجابة على هذا السؤال أن نتساءل أولا هل الشعب واع بواجباته تجاه المجتمع قبل أن يحق له المطالبة بحقوقه؟

شعب يحتقر بعضه البعض، شعب يذكي أسس الفساد الذي ينخر جسد المجتمع المغربي، شعب يؤمن بالمحسوبية والزبونية والمنفعة الخاصة، شعب غارق في غياهب الجهل والخرافة والتقاليد والشعوذة والمنفعية، شعب آمن بالميكيافيلية أكثر من الساسة أنفسهم وجعلها أساسا ومبدأ في حياته، شعب قابل لبيع صوته وانتخاب من يدفع أكثر، شعب أبان على أنه لا يؤمن بالصالح العام، شعب لا يحترم المنشآت العامة، شعب يتطاحن فيما بينه على أساس العرق والدين وأحيا عصبية قبلية كنا نظنها اندثرت مع مرور السنين ، شعب يبدو لي أنه ارتضى المهانة لنفسه تحت مبررات شتى، حتى أنه أصبح هو من يبحث عن مبررات لأخطاء وتجاوزات القائمين على الشأن العام، شعب تنازل طوعا عن حقه في لعب دور المراقب ومحاسبة من سولت له نفسه المساس بحقه الإلهي والقانوني في العيش الكريم. شعب كهذا مع الأسف لن يقوى ولن يجرؤ على محاسبة مسؤوليه، لأنه وبكل بساطة متواطئ وشريك بطريقة أو بأخرى في كل التجاوزات التي تصير أمامه، وبالتالي لا يملك الشرعية الزجرية ويكتفي فقط بالتنديد واستهجان ما يدور حوله كأقصى ما يمكن أن يفعل.

بقلم الدكتور مراد بنيعيش:متخصص في العلاقات الدولية و العلوم السياسية

*للإشارة المقال طويل وسننشره عبر أجزاء

كلمات دليلية
رابط مختصر

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات

* الإسم
* البريد الألكتروني
* حقل مطلوب

البريد الالكتروني لن يتم نشره في الموقع

شروط النشر:

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة www.ajil.ma الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.